السيد كمال الحيدري

186

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

القضاء والقدر في طبيعة علاقة هذه الفكرة بالواقع الاجتماعي من دون أن يعنى ذلك تضخيم الفكر ونصبه إلهاً لا شريك له في حياة الناس . فللفكر دوره في صياغة الواقع الاجتماعي وهو مقدّمة لابدّ منها ، بيدَ أنّه لا يملأ المساحة بأكملها ، ومن ثمّ لا يلغى بقيّة المقدّمات والعلل التي تسهم في بناء الواقع الاجتماعي أو تغييره . كما لا معنى لتضخيم الواقع وعزله عن الفكر تماماً ، بذريعة تضخيم البُعد الاجتماعي وبدعوى التركيز على الجانب العملي . نبّه الباحثون المسلمون إلى هذه المسألة بوجهيها في دراستهم للقضاء والقدر ، فبيّنوا أنّ هذه المقولة ليست عقيدة مجرّدة أو محض فكرة نظرية لا علاقة لها بالواقع ، كما أشاروا أيضاً إلى أنّ الواقع الاجتماعي وضروب السلوك الإنسانى لا تكفى وحدها لحلّ العقدة أو أن تكون دليلًا على المحتوى النظري ، كما أنّها ليست بديلًا لنظرية التفسير والبحث العلمي ، إذ المطلوب هو ضرب من التوازن السليم بين المكوّنين النظري والعملى . عن الوجه الأوّل يقول مغنية في سياق بحث عن القضاء والقدر والحريّة الإنسانية : « إنّ مسألة حرية الإنسان في أفعاله ليست من نوع الجدل المنطقي الذي لا يمتّ إلى الواقع بسبب ، بل هي متّصلة بحياة الإنسان ومآله ومصيره ، ومن أجل هذا شغلت عقول الناس جميعاً منذ أقدم العصور ، الفلاسفة وغير الفلاسفة » « 1 » . أمّا عن الوجه الثاني فيقول مطهّرى : « لا ينبغي أن يخطر على الأذهان بأنّ عرض مسألة ( القضاء والقدر ) و ( الجبر والاختيار ) لا يتمّ إلّا على أساس اجتماعىّ وحسب ، لأنّها قبل كلّ شئ مشكلة علمية ومجهول فلسفي يخطر لكلّ مفكِّر ويتطلّب منه الحلّ » « 2 » .

--> ( 1 ) فلسفات إسلامية ، محمد جواد مغنية ، مصدر سابق ، ص 367 . ( 2 ) الإنسان والقضاء والقدر ، مرتضى مطهرى ، ص 62 بتصرّف طفيف في صياغة النصّ .